(2) من يدفع فاتورة جرائم أصحاب الياقات البيضاء؟
عبدالعزيز مجاور
الفساد يتنوع في المؤسسات والشركات المختلفة بين الفساد
المالي والإداري والأخلاقي، وباستبعاد الأخير لأنه ليس موضوع المدونة يمكن القول أن لهذا الفساد فاتورة كبيرة وباهظة أكبر مما يدور في ذهن
القارئ، قبل أن نتناول تفاصيل تكاليف الفساد في مقالات تالية والتي ستجعلنا نوقن بأهمية وضرورة
وجود التدقيق الداخلي والخارجي ووجود قواعد للحوكمة يتم احترامها، وأن التدقيق
والمراجعة حتى وهو في أضعف حالاته فإن تكلفته أقل بكثير من العائد على المؤسسة من وجوده، ولكن من يدفع الفاتورة؟.
وفي هذه المقالة سيجيب الكاتب عن التساؤلات التالية:
هل كل فساد يصحبه نية سيئة؟ وهل دائما ما يستفيد المفسد من فساده؟ ومن يدفع فاتورة الفساد؟
ليس صحيحاً أن كل فساد يصحبه سوء القصد والنية من قبل المفسد، فقد تكون نيته جيدة كالدب الذي قتل صاحبه وهو يريد انقاذه، أو كالموظف الذي يتلاعب بنتائج الشركة المالية بغرض إطاعة الرؤساء واظهار الولاء للمؤسسة، وكالمدير الذي يوظف انسان غير كفء في منصب طمعاً في الولاء والاتباع.
وبالطبع ذلك يقودنا للحقيقة التالية وهي أن المفسد غالباً ما يستفيد من فساده، ولكن توجد حالات يتحمل هو المسئولية ويجني غيره المكاسب، كالذي يشجع فريق أو حزب في فساده ويبرر له ويدافع عنه، فهو شريك في الفساد لكنه لا ينال من غنائم ذلك الفساد شيئاً، وكالمدقق الذي يفشل في أداء دوره أو يصمت عن كشف ما يقع تحت يديه خوفاً أو رغبة فهو شريك بصورة غير مباشرة في الفساد لكنه لا يحظى بالتمتع بمكاسب الفساد.
من يتحمل فاتورة الفساد؟
إذا بدأنا بالفساد الإداري والمتمثل في إساءة استغلال المنصب أو الاستفادة منه لتحقيق مكاسب شخصية، أو سوء الإدارة أو التعيين والترقية ومنح المكافآت بصورة غير عادلة وغير شفافة، أو بالصور الكثيرة والتي يمكن أن نفرد لها مقالاً مستقلاً.
غالباً ما تدفع المؤسسة نفسها ثمن الفساد الإداري إذ تهرب منها الكفاءات العلمية والإدارية لتصبح المؤسسة هيكلاً عظمياً وشكلاً فارغاً لا تقدم جديداً وتصيبها شيخوخة ما قبل الموت إلى أن تحين اللحظة الكاشفة وتنتهي المؤسسة فعلياً.
كما يدفع العاملون بتلك المؤسسات ثمن فاتورة الفساد الإداري من خلال الاحباط والقلق وعدم الاستقرار الذي يسود حياتهم، وينعدم عندهم الانتماء لمؤسساتهم فيهدروا مواردها المختلفة، وأكبر إهدار حقيقي يتمثل في العاملين أنفسهم وفي الوقت الضائع غير المنتج، فلا غرابة أن نجد الاحصائيات التي تتحدث على أن معدل انتاجية الموظف الحكومي في بعض الدول العربية لا تزيد عن 25 دقيقة يومياً، ويتم هدر أكثر من 7 ساعات يومياً لكل موظف، وقد أثبتت جائحة كورونا ذلك عندما استمرت المؤسسات تعمل بنفس كفائتها رغم تقليص العمالة إلى النصف في نظام التناوب، مما يعني أن المجتمع بالكامل يدفع الثمن بهدر موارده.
أما الحديث عن فاتورة الفساد المالي فذو شجون، فلو تحدثنا عن الرشوة فقط، فهناك مؤشر يقيس مؤشر دفع الرشوة (BPI) Bribe Payers index يصدر عن منظمة الشفافية العالمية، وهذا المؤشر يعطي للمستثمر فكرة جيدة عن التكاليف الإضافية التي سيتحملها نتيجة دفع رشاوى الحصول على التراخيص أو أخذ الموافقات، ولأن كثير من الدول الغربية به رقابة ويمنع على الشركات دفع الرشاوى فتلجأ تلك الشركات عند الاستثمار في دول تتصف بالفساد إلى ايجاد وسيط مثل الشركات الاستشارية أو المخلصين للمعاملات، وقد أظهر ذلك المؤشر(BPI) عام 2011 عدم وجود أي دولة من الدول الكبرى نظيفة تماماً وغير منخرطة بالرشوى، بمعنى أنها لم تلجأ للرشاوى للتوسع في أعمالها خارج بلادها، مما يعني أن تكاليف الاستثمارات الأجنبية وكذلك الواردات تزيد عن تكلفتها الفعلية وبالتالي يزيد ثمنها في السوق المحلي، ليدفع المواطن قيمة الرشوى التي دفعها الأجنبي ليسوق بضاعته داخل البلاد، وكذلك الرشاوى المحلية فعندما يدفع الشخص رشوى لأداء مصلحة معينة يضع هذه التكلفة على متلقي الخدمة منه مهما كانت مهنته فهناك من يستطيع أن ينقل لهم العبء أو يشاركهم فيه، فالمجتمع الذي تستشري فيه الرشوى يدفع أفراده بلا استثناء الثمن.
يتبقى لنا الحديث عن باقي أنواع الفساد المالي وتكلفته ومؤشرات قياسه، سيتم تناولها لاحقاً إن كان في العمر بقية.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق