الثلاثاء، 19 يناير 2021

2) لا تخرج خارج الصندوق وانعم بالدفء (1/2)

  الفساد الإداري (2)

 لا تخرج خارج الصندوق وانعم بالدفء  (1/2)

عبدالعزيز مجاور

تحدثنا في مقالة سابقة عن القاعدة الأولى من قواعد الفشل الإداري وكانت بعنوان الهروب الذكي، واليوم نتناول القاعدة الثانية بعنوان (لا تخرج من الصندوق).



الجلوس داخل الصندوق  أو داخل منطقة الراحة Comfort Zone مريح ولو استمر لسنوات لأنه يقيك حرارة الشمس وبرودة الجو، ويجعلك دائما في بيات شتوي وصيفي أيضاً، وإدارة المؤسسة في هذه الحالة تسير بالدفع الذاتي أو قل (المشي في المكان) كما يقال في الجيوش، فهي لا تبرح مكانها في حين هناك حركة دؤوب في المشي في المكان، وللمحافظة على تلك الحالة يجب على الإدارة أن تتجنب الاستماع لأصحاب الحلول الإبداعية لأنهم غالبا يريدون أن يغيروا من الوسائل التي تجيدها وعندها سيفقد المدير مركزه وهيبته ووظيفته ومكانته المرموقة، فإذا كنت تنعم بالسعادة في هذا الصندوق فلا تكمل القراءة وحارب بكل قوة أي فكرة جديدة وهناك ستون طريقة لقتل الأفكار الجديدة لابد أن تتعلمها وتتقنها.

وإذا كان توقف الشخص عن التطور والنمو يجعله يموت في المكان، ويتخلف عن أقرانه، وإذا كان الزمان لا يتوقف والشمس لا تمل من الاشراق كل يوم، فالتوقف يعني مصادمة نواميس الكون، ومن يصارع السنن الكونية تصرعه ولا تبالي.

وكثير من الكتابات تناولت خطورة هذه الحالة بالنسبة للأفراد، فما هي ظواهر ومخاطر المكث في منطقة الراحة بالنسبة لإدارة المؤسسات؟ وهل تعد هذه الظاهرة من سوء الإدارة؟ وهل تتم بتعمد فتتحول لفساد من فساد أصحاب الياقات البيضاء؟ وكيفية الخروج منها؟.

تنشأ هذه الحالة بافتراض حسن نية الإدارة عند افتقاد الحافز الحقيقي لرفع شأن المؤسسة، أو عند فقد الانتماء للمؤسسة، أو عند تعارض مصالح القائم بالإدارة مع نجاح شركته ومؤسسته، وقد يستغرب البعض السبب الأخير إذ كيف تتعارض المصلحتين؟! يحدث ذلك في حالات كثيرة منها أن المدير لديه أسهم في شركة منافسة، أو أن راتبه ثابت ولا يشارك في ثمار نجاح شركته، أو عندما يشعر أن مالك المؤسسة لا يقبل سوى وجهة نظر واحدة عندها يجد المدير نفسه مستمسكاً بالإدارة اليومية البعيدة كل البعد عن الابتكار أو الابداع، بل يشارك وبكل قوة في الاستغناء عن أي موظف متميز لأنه مصدر خطر له.

مظاهر مكث الشركة أو المؤسسة في منطقة الراحة:

وهناك مظاهر إذا وجدت دلت على أن الشركة أو المؤسسة في منطقة الراحة (البيات الشتوي)، وفي الإدارة المالية توجد مؤشرات للفشل المالي، ورغم أن هذه المؤشرات قد تساعد على توقع الفشل ولكنها ليست دالة على وجود الشركة في مرحلة الراحة، لأن الفشل له أسباب كثيرة وعدم السعي للنمو أحد تلك الأسباب وليس سببها الوحيد.

ويمكن تلخيص أهم مظاهر وجود الشركة في مرحلة الراحة فيما يلي:



-         تكرار المشكلات اليومية، فتجد في تلك المؤسسات المشكلات تقليدية ومتكررة وعلى الرغم من ذلك لا يحاول أحد التفكير في وضع آلية للتعامل معها بحيث لا تأخذ من وقت الإدارة، وقد يكون عدم السعي لذلك مقصوداً حيث يجد المدير متعة في وجود تلك المشكلات حتى يشعر بأنه يتعب ويعود مرهق من كثرة المشكلات التي يتصدى لها .

-         زيادة المشاكل بين العاملين، في المؤسسات التي تفتقد لهدف ورؤية وسعي للنمو تجد كثير من المشاكل بين العاملين فيها، لأنه ببساطة الأواني الفارغة تحدث ضجيجاً في حين أن الممتلة يشغلها امتلائها، وتلك المشكلات تهدر وقت وموارد المؤسسات، وأعجبني ذكاء أحد المديرين عندما عرض عليه إحدى المشكلات في شركته فقام بحساب عدد الساعات التي تكبدتها الشركة جراء هذه المشكلة وحولها إلى تكلفة يراها متخذ القرار ليعلم أن المشكلة ليست بسيطة بل أن تكلفتها باهظة قد لا يتخيلها أحد.

-         فقدان العملاء لصالح المنافسين، عندما تجد أن كل عروضك مرفوضة وأن ما يحصل عليها هم المنافسون فلا تتسرع في اتهام الغير بأنهم جميعهم لا يحسنون التقدير وأن هناك عوامل تدور خلف الكواليس، فقد يكون السبب هو عدم تطورك، فأسباب نجاح الأمس قد لا تكفي لنجاح اليوم.

-         هجرة العقول المفكرة والمبدعة من الشركة، وهذه من أهم المظاهر وهي هجرة العقول المفكرة من المؤسسة وبقاء فقط من يحسن مدح المدير وسياساته.

-         تدخل المدير في كل كبيرة وصغيرة، وهذا مظهر تعرفه منذ أن تطئ قدمك المؤسسة، فكل شئ يتوقف إذا غاب المدير أو حصل على أجازة، وكل المشكلات لا يتم حلها إلا بتدخله شخصياً، وتجد المدير متواجداً في كل اللجان وفي كل الاجتماعات، وبالطبع لن يجد المدير وقتاً لمجرد التفكير في نمو مؤسسته أو تطورها.

-         انشغال المدير كلياً بحل المشكلات اليومية بالمؤسسة، وهذا المظهر انعكاس للمظهر السابق.

-         الحل الأسهل لمواجهة المشاكل الاقتصادية بالمؤسسة يكمن في تقليص الرواتب والاستغناء عن الموظفين، في المؤسسات التي تنعم بالبيات الشتوي إذا واجهتهم أي مشكلة تجد الحل الناجع والمبدع من وجهة نظرهم هو تخفيض الرواتب والاستغناء عن العمالة دون التفكير في زيادة الأعمال والإيرادات أو تخفيض تكلفة السلعة أو الخدمة المباعة، وغالباً ما يبدأ المدير بالاستغناء عن العمالة حتى يجد نفسه يشرب من نفس الكأس عندما يفكر أصحاب رأس المال بنفس الطريقة.

مخاطر وجود المؤسسة بمنطقة الراحة:


1.    من أهم المخاطر على الإطلاق هو خطر الخروج من السوق وتصفية الأعمال، وقد رأينا نماذج من تحطم صناعات عريقة كالحديد والصلب وتصفية الشركة وبيعها كأراضي بعد تاريخ طويل من النجاح وهنا يمتزج ويتداخل سوء الإدارة مع فساد أصحاب الياقات البيضاء فالأول لم يطور وعاش على ذكريات وتاريخ الأسم العريق فتراكمت الخسائر والثاني تعمد أن يجهز عليها فيستفيد من خلال صفقات مع رجال أعمال يستفيدون بالأراضي كأستثمار عقاري.

2.    ومن المخاطر الأقل وطئة ابتعاد الشركة عن المنافسة فتكون كالموظف الذي يعمل ليأكل عيش، أو كالرجل العجوز الذي فقد لذة الحياة ينتظر الموت، ويصبح أكبر نجاح للمؤسسة هو البقاء على قيد الحياة وإن استمرت عجوز تنتظر الموت.
3. من مخاطر بقاء الشركة داخل الصندوق في منطقة الراحة ظهور جيل من الموظفين والمسؤولين الذين يفتقدون الطموح أو الدافعية للعمل فيذهدون في التدريب والتعلم، ويصابون بأمراض الشيخوخة المبكرة.

4.    من مخاطر منطقة الراحة ضياع موارد الشركة واهدارها، وبالتالي ضعف رواتبها مما يبرر لدى أفرادها سرقة مواردها لتصبح دائرة لا تتوقف تتحول إلى دوامة تبتلع الشركة، وتدمرها ذاتياً دون تدخل عوامل خارجية.

وفي المرة القادمة نتحدث عن المكث في منطقة الراحة بتعمد كنوع من أنواع الفساد الإداري، وكيفية الخروج منها، وللحديث بقية إن كان في العمر بقية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق