أصحاب الياقات البيضاء حين يبدعون
الفساد الإداري
عبدالعزيز مجاور
قراءت عبارة رائعة أثرت بي كثيراً، ولمستها كثيراً في مؤسساتنا الاقتصادية والخدمية، وهي أن هناك من المديرين أصحاب الياقات البيضاء الذين يتفننون ويبدعون في تحويل الشخص المحب لعمله والمبدع فيه الحريص على نجاحه إلى شخص عادي روتيني (جاي يأكل عيش كما يقولون) يفتقد للحماسة، موظف يبحث عن ساعة الانصراف منذ قدومه إلى العمل في الصباح، وإن كان ذو ضمير حي فهو يحرص على أداء الحد الأدنى من العمل أو المطلوب منه وفق الوصف الوظيفي، وغالباً ما لا يشعر بالأمان مما يشتت تفكيره في العمل وينعكس ذلك بالطبع على انتاجيته وأدائه.
لذا لا غرابة أن يكون متوسط عمل الموظف الحكومي في بعض الدول العربية لا يتجاوز 27 دقيقة في اليوم، وحتى نصل لتلك الدقائق من العمل تضيع مقدرات الوطن في وسائل مواصلات وهدر للبترول والكهرباء، وهدر لأهم مورد في الحياة وهو المورد البشري.
وقد يحدث ذلك إما بجهل أو بسوء نية، وفي الحالة الأولى نطلق عليه سوء الإدارة وفي الحالة الثانية نكنيه بالفساد الإداري أو الجرائم الإدارية لأصحاب الياقات البيضاء، وإن كان يمكن معالجة الأول فالثاني يحتاج لمقاومة ويتطلب الكشف عنه للعمل على محاربته وتلافيه.
إذا الفرق بين سوء الإدارة والفساد الإداري يكمن فقط في وجود النية والعزيمة والقصد عند القيام بالأمر، إلا أن نتيجتهما واحدة وهي الفشل وإهدار الطاقات البشرية والنفسية، وبالطبع التكلفة المالية الكبيرة المنظورة وغير المنظورة.
وهناك قواعد وأساليب يتقنها أصحاب الياقات البيضاء للوصول للفشل المنتظر والمتوقع، ونظرا لأن النجاح مطلب عالمي يسعى الجميع لتحقيقه فلا ينبغي أن يحرم منه أحد، فإذا قررت أن تفشل فينبغي أن تأخذ بكل الوسائل لتحقيق هدفك وبالتالي تكون حققت النجاح الأول، والأمر ليس بالسهولة التي يظنها البعض فالكثير عندما يفشلون يحققون فشلا باهتا ويظلون يتأرجحون بين الفشل المستور والنجاح غير المنظور، لذا فإن القواعد التالية والمستقاة من البيئة العملية ومن أساليب المبدعين في هذا المجال ستضعك على الطريق الصحيح للنجاح في تحقيق الفشل، لذا سنطلق عليها قواعد الفشل الناجح.
قواعد الفشل الإداري الناجح
1) الهروب الذكي
اذا أردت أن تفشل وواجهتك مشكلة في حياتك أومؤسستك فلا تتصدى لها وكذلك لا تهرب منها بدون حرفية، ولكن عليك أن تتذكر قاعدة هامة وهي البعد عن أصل المشكلة يجنبك الخسائر القريبة، ففرغ نفسك للفرعيات وأشغل الأخرين بها، وسيغرق الجميع فيها وينسون لب المشكلة وبالتالي تكون قد حققت نجاحاً في استمرار المشكلة وتحويلها لكارثة في حين أن الجميع يغوصون في مهاترات لن تنتهي.
وفي قاعدة الهروب لا ينشغل المدير بمعرفة أصل المشكلة ولكن يفكر فقط في الجزء البسيط الظاهر من جبل الثلج، ومثال ذلك عندما تتعرض المؤسسة أو الشركة لنقص في الربحية أو خسائر مالية فنجد ان الوسيلة الجاهزة والقرار السريع للمبدعين من أصحاب الياقات البيضاء هو التخلي عن بعض العمالة أو تخفيض رواتبهم، في حين أن المشكلة قد تكمن في سوء المنتج أو الخدمة المقدمة، أو عدم القدرة على تسويق المنتج أو وجود منافسة جديدة بالسوق.
فالقرارات السريعة والسطحية تؤدي لنتائج كارثية قد يكون منها غلق المؤسسة وكتابة شهادة وفاتها برصاصة أطلقها الإداري الهارب.
والهروب من المشاكل وعدم التصدي لها يؤدي للهدر المادي المتمثل في النزيف المستمر للطاقات، ولو ذكرنا مثلاً بسيطاً لمشكلة الاستهتار بنظم العمل من قبل بعض الموظفين، وقيامهم بعدم اتباع السياسات والإجراءات المعمول بها في الشركة سواء كانت في الحضور والانصراف أو مخالفة النظم المالية أو السماح بالاستثناءات المستمرة، فعدم التصدي لتلك الظواهر والهروب من المشكلة يؤدي لشيوع ثقافة عدم الالتزام ويصيب الأشخاص الملتزمين بالإحباط وعدم بذل الجهد المطلوب في العمل.
وهناك قصة جميلة عنوانها (الشباك المكسور) وملخصها أنهم وضعوا سيارة في أحد الأحياء وتركوا باب السيارة مفتوح وقابلة للسرقة وراقبوا سلوك الأفراد فلم يقم أحد بسرقتها أو سرقة محتوياتها، ثم وضعوا نفس السيارة بعد ذلك ولكنهم قاموا بتحطيم وتكسير بعض زجاج السيارة، وراقبوا فإذا بالبعض يتشجع ليكسر باقي الزجاج ويسرق محتويات السيارة، وكم منا من يقم بتحطيم زجاج السيارة ليشجع الآخرين على فعل ذلك، فأنت إن رميت المهملات في غير مكانها الطبيعي فسرعان ما تجد الجميع يفعل ما تفعل، وكذلك في مجال العمل فمجرد كسر زجاج التعليمات والأدلة المتبعة من أحد الأفراد يشجع الآخرين وسريعاً ما يستشري المرض في كافة أنحاء المؤسسة، فإذا أردت أن تفشل فلا تتصدى لتحطيم زجاج مؤسستك.
وللقواعد بقية إن كان في العمر بقية.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق