حافظ على العدو وابحث عن الشماعة المناسبة (3)
ملخص ما سبق
تحدثنا في الحلقات السابقة عن جرائم أصحاب الياقات البيضاء والتي لا تحتاج إلا إلى قلم وورقة أو الضغط على زر لوحة المفاتيح في جهاز الحاسوب لجني ثمار الفساد، وذكر الكاتب أن هناك فساد مالي يسهل قياسه وهناك فساد إداري محل جدال يراه البعض سوء إدارة ولا يرقى للفساد، وقلنا أن الفارق بينهما دقيق ويتلخص في المصلحة والقصد. وتطرق الكاتب للفساد الإداري في موضوعين هما الهروب من مواجهة المشكلات، والمكث في منطقة الراحة أو الجمود الإداري، وفي هذه المقالة نتناول البحث عن مبرر مناسب للفشل. 3. احتفظ بأسباب فشلك في جيبك حتى يستمر المدير الفاشل لأكبر وقت ممكن في مؤسسته لابد أن يتقن فن التبرير، ويستعد بعدة أوراق جاهزة في جيبه يخرجها عند الضرورة، ويلوح بها معظم الوقت. وهنا يثار تسأول هل تحتاج المؤسسة للعدو أو المنافس الشرس؟ وهل يختلف ذلك عن (شماعة الفشل) التي يخبئها المدير؟ نعم تحتاج المؤسسة إلى هدف عظيم أو منافس قوي حتى تستمر في النجاح، وبدون إحدهما فالمؤسسة غالباً ما تسير للخلف، ولتستمر المؤسسة في النمو عليها أن تختار بين إيجاد مشروع أو هدف كبير لتجميع كل الطاقات نحوه، أو اختيار منافس أو عدو قوي ليشعر الأفراد بالخوف على ضياع مؤسستهم فتتظافر الجهود وتعمل للبقاء، وفي كلتا الحالتين لا يشترط أن يكون الهدف أو المشروع ذو عائد حقيقي نافع للمؤسسة وأفرادها، وكذلك لا يشترط أن يكون العدو أو المنافس حقيقي، ومن هذا الباب يدخل الفساد ليرتع بكل حرية وبلا حساب، وفي استبيان سريع غير علمي لا يبنى عليه رأي ولكنه يبين لجوء المؤسسات لأحد هذين البديلين كانت الغالبية استخدام المشروع أو الهدف وليس العدو أو المنافس كما في الشكل التالي:
الفساد الإداري يتم بإهدار موارد الشركة أو المؤسسة البشرية والمالية في أهداف وهمية أو مستحيلة، كالمدير الذي يضع هدف زيادة الانتاج بلا خطة للتسويق أو البيع، وبلا دراسة للمنافس وقدراته، وبلا دراية بالامكانيات المالية، فيجمع كل الموارد نحو الهدف، وهو يدري أنه لا يستطيع تسويق بضاعته الكاسدة، فتتكبل المؤسسة بالديون، ويضيع الانتاج ويبخس ثمنه، ولكن كل هذا لا يعني المدير الفاسد فيكفيه أن يشغل طاقات العاملين بلا جدوى حقيقية ليبقى مديراً يحقق الانجازات، وكثيراً ما يرتبط هذا الفساد الإداري بالفساد المالي حيث عمولات شراء المواد الخام، وعمولات شراء الأجهزة وصيانتها،والمكافآت للقيادات الناجحة في تحقيق الأهداف، وتستمر الإدارة في الهدر حتى إعلان الوفاة، المؤسسة أو المدير أيهما أسبق. ويرتبط بذلك الخطأ في ايجاد الوسيلة المناسبة للهدف النبيل، بوضع وسائل عصية أو مستحيلة التنفيذ متبوعة بخطابات وكلمات تخاطب المشاعر والعواطف وتؤدي إلى التحفيز الوقتي، والقصة الشهيرة للفئران التي اجتمعت لمواجهة القط فاقترحوا وضع جرس في رقبة القط حتى يسمعوا صوت الجرس فيهربوا جميعا، فالوسيلة ناجحة جدا لكن مستحيل تنفيذها في ظل امكانيات الفئران الضئيلة، وعندما يحول زعيم الفئران تنفيذ هذه الوسيلة لهدف فسيهلك الجميع إلا المدير الفذ الكامن في مخبأه أو مكتبه يخطط للبقاء.
فإذا فشل المدير في إيجاد هدف فعليه أن يوجد منافس أو عدو، والأصل أن يكون المنافس حقيقي لتحفيز الجهود وللاستفادة من المنافسة بتقليل تكلفة المنتج أو زيادة جودته، والاستمرار في التحسين للحفاظ على حصة المؤسسة في السوق، ولكن كما اتفقنا فالمدير الفاشل قد يلجأ لتكوين تهديد وهمي أو عدو غير حقيقي، وهذا يفيد في انشغال العاملين بالعدو وغض الطرف عن الفساد المالي للمدير، ويبرر كل الأمور الاستثنائية وعدم تطبيق اللوائح والتعليمات الإدارية بزريعة كسب الوقت لتفويت فرصة نجاح المنافس الوهمي، وقد يفشل المدير في تحديد منافسه الحقيقي، ويحكى أن شخصين في الغابة علما أن الدب قادم إليهما خلال دقائق فاخذ أحدهما يرتدي حذائه ويربطه جيداً فقال له الأخر هل تظن أنك بتجهيزك هذا سوف تسبق الدب فقال له أنا لا أريد أن أسبق الدب فيكفيني أن أسبقك أنت. إذا عزيزي المدير حتى تنجح في فشلك ما عليك عند مواجهة المشاكل إلا أن تفكر سريعا في الشماعة المناسبة قبل أن تفكر في كيفية الحل، وإلا فقد يسارع بعضهم في التفكير فتتحملها أنت، فإذا حققت شركتك خسائر فلا تشغل نفسك بالأسباب فمن الأسهل تغيير أي موظف، ألا ترى عندما يفقد فريق كرة البطولة أو ينهزم هزيمة ثقيلة فأول خطوة يقوم بها مدير النادي تغيير المدرب دون التفكير في أي أسباب أخرى للفشل، ويفشل الفريق مرة أخرى ويتم تغيير مدرب آخر وهكذا دواليك، إذا فهي فكرة مجربة للفشل الناجح، وليكن جيبك عزيزي المدير مممتلئ بالشماعات المناسبة. وللحديث بقية إن كان في العمر بقية.

ممتاز أستاذي
ردحذف