دور المدقق الداخلي والحكومي في المحاسبة عن الفرص الضائعة
عبدالعزيز مجاور
________
تحاسب الإدارة دائماً عن ما قامت به من أعمال، ونادراً ما تقيم على ما لم تقم به، باستثناء ما تفرضه اللوائح والنظم من إجراءات والتي يجب القيام بها، ولكن هل يمكن محاسبة الإدارة على ضياع فرصة كانت ستنقذ مؤسساتها من الإفلاس والفشل؟ أو كانت ستجلب لها كثير من المنافع؟
الإجابة ليست بالسهولة التي يشعر بها القارئ، لأنك في حياتك العادية وبعيداً عن المؤسسية تحاسب على ما قلت ولا تحاسب على ما سكت عنه، أو ما كان ينبغي أن تقول.
وهناك قصة لم أقف على مدى صحتها ولكنها معبرة، فيقال أنه في مقابلة مع بيل جيتس أغنى رجل في العالم سألته المذيعة ...ماهو سر نجاحك ؟ فأعطاها شيك من دفتر شيكاته و قال لها اكتبي المبلغ الذي تريدينه!! فاندهشت المذيعة وقالت أنا لا أقصد هذا بالطبع ثم عرضت عليه السؤال بطريقة أخرى فأجاب نفس الإجابة أعطاها شيك فرفضت أن تأخذه فمزق الشيك ثم قال لها سر نجاحي هو : أنا لا أضيع الفرص كما فعلت أنت الآن، إذا فتأخر الإدارة في اتخاذ القرار الصحيح، وعدم استغلال الفرص المتاحة قد يؤدي إلى خسارة حقيقية أو مقدرة.
أهم أسباب ضياع الفرص:
· عدم التقيد بدراسة الفرص والتهديدات ضمن خطة استراتيجية لعدد من السنوات ٣ أو خمس سنوات.
· عدم وجود مرونة أمام العوائق أو الأزمات التي تظهر أمام الشركة، ويتصل بذلك التساهل في معرفة قدرة المتنافسين أو التقليل منها.
·عدم وجود مشاركة في اتخاذ القرارات من قبل الأقسام بالمؤسسة يضع المؤسسات في ورطة تتمثل في عدم تبني الموظفين لتنفيذ الخطط، وافتقاد المؤسسة للمبادرات والاقتراحات المفيدة.
· عدم وجود تقييم للإدارة التنفيذية يتناول مدى وجود إبداع وتجديد في الإدارة ودراسة الفرص الضائعة، وتأثيرها على المؤسسة.
أحد الأمثلة على فشل الإدارة بسبب عدم اغتنام الفرص:
- تصفية شركة صناعية كبيرة بعد 67 عاماً من تشغيلها، وتتميز هذه الشركة بأن منتجها مطلوب في كل العالم، إذ نادراً أن تجد منتج لا يحتاج لمنتجاتها سواء بصوة مباشرة أو غير مباشرة، وهي شركة الحديد والصلب بعد أن تراكمت خسائرها لتصل لقرار غلق المصانع وبيع أراضيها ليقام عليها مشروع إسكاني، حيث أصبح القرار هو الخيار الأمثل من وجهة نظر الإدارة، بعدما كان أمام الإدارة عدة فرص لتطوير أداء الشركة مثل تطوير المنتج أوفتح أسواق جديدة، إعادة النظر في التسعير، وتحديد أسباب الخسائر وبالفعل كان هناك مناقصة خاصة بالتطوير للشركة عام 2017 ولكن تم الغاء المناقصة دون تحديد سبب واضح، ولكن هل تظن أن التدقيق الداخلي والخارجي لا يتحمل جزء من المسئولية؟.
معايير محاسبة الإدارة على الفرص الضائعة:
ليس على المدقق أن يذكر الحقائق فقط دون تقديم قيمة مضافة تتمثل في دراسة الأسباب وتقديم التوصيات، فمن أهم أهداف التدقيق الداخلي هو تقديم قيمة مضافة للمؤسسة محل التدقيق.
ولكن اذا قرر المدقق كتابة ملاحظة بمخالفة فلابد له من الاستناد إلى معيار، وقد يكون هذا المعيار تشريع قانوني مثل الدستور أو القانون أو اللوائح أو القرارات الوزارية أو القرارات الإدارية أو اللوائح الإدارية أو النظم الإدارية المعمول بها، أو القرارات الصادرة عن الإدارة العليا والخطط الاستراتيجية المعتمدة، وهذه المعايير كثيرة ومتعددة وقد يلجأ المدقق لمعيار مرن لا يمكن قياسه بدقة وهو (أفضل الممارسات)....الخ.
وفي الحالة المطروحة عندما يجد المدقق الداخلي أو الخارجي الحكومي فرصة أهدرتها الشركة مما أضاع عليها أرباح أو كبدها بخسائر على ماذا يستند من معايير؟ خاصة إذا لم تخالف الشركة القوانين والأنظمة الداخلية، يرى الكاتب أن المدقق لابد أن يستند لقواعد الحوكمة والتي تلزم الشركات بإدارة المخاطر، ووضع خطة استراتيجية تبنى على دراسة الفرص والتهديدات، والحفاظ على حقوق المساهمين وأصحاب المصالح، فإذا لم تضع المؤسسة خطة استراتيجية مبنية على افتراضات سليمة وتحليلات علمية مثل تحليل SWOT أو غيره، فللمدقق أن يحلل الفرص الضائعة وتأثيرها ويكون معياره الالتزام بقواعد الحوكمة.
وكذلك التحقق من قيام المؤسسة عند إدارة المخاطر بدراستها وتأثيرها، وأنها قامت بتحديد مستوى المخاطر المقبولة وتحديد كيفية التعامل مع الخطر من مشاركة أو نقل أو تجنب، ومثل تلك الدراسات لا تفيد المؤسسة فقط في تجنب والتحكم في المخاطر بل يفيد أيضاً في فتح أفاق جديدة ولقد رأينا مؤسسات تجاوبت سريعا مع جائحة كورونا واستفادت منها لأنها كانت تضع مخاطر توقف الأعمال ووضعت له سيناريوهات فعندما جاءت الجائحة كانت من أوائل من بدء في العمل أون لاين، وفي إحدى الجهات كانت تقوم بالفعل بإدارة بعض اجتماعاتها أون لاين قبل كوفيد 19، فلما بدأت الأزمة لم تحتاج سوى لأيام قليلة لتعمم الإجراء على كامل إدارات المؤسسة، ورأينا وزارات للتربية والتعليم حولت الدراسة والأنشطة والامتحانات أون لاين بكل سلاسة ودون تخبط وبنجاح مشهود في بداية الأزمة، ومملكة البحرين خير مثال على ذلك، ولم تكن المملكة متميزة في مجال التعليم فقط في تعاملها مع الأزمة، بل كانت كذلك في معظم الخدمات المقدمة التي تحولت إلى إلكترونية ومثال ذلك نشاط المحاكم والقضاء، ومعاملات كثير من الوزارات في حين بقيت بعض الدول تتخبط ولا تستطيع أن تجري أمتحاناتها أون لاين أو تحول بعض الخدمات البسيطة إلكترونيا رغم مرور أكثر من عام على الجائحة، والفرق ليس في الامكانيات بل في العقول والوعي، وإدارة المخاطر.
إذا لا يفتقد المدقق المعيار الرقابي للكشف عن قصور المؤسسة في عدم استغلال الفرص.
ولابد أن نشير أن مدقق الحسابات ملتزم وفق معيار المراجعة الدولي رقم (570) بمسئوليته عن تقييم قدرة المنشأة على البقاء كمنشأة مستمرة، حيث أن الإدارة ملتزمة وفق معايير التقارير (IFRS) من إجراء تقييم لقدرة المنشأة على الاستمرارية، وعليها أن تفصح بذلك في القوائم المالية، إلا أن هذا يخرج عن نطاق المقالة والتي تتناول التدقيق الإداري.
(وللحديث بقية إن كان في العمر بقية)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق