الخميس، 22 يوليو 2021

متى نلجأ للتدقيق القانوني ودور المدقق الداخلي

 

متى نلجأ للتدقيق القانوني ودور المدقق الداخلي

عبدالعزيز مجاور

بعد تحرير المصطلح واقتراح أن يكون التدقيق القانوني هو الأقرب لترجمة ال Forensic Auditing بعد استبعاد عدة ترجمات لأسباب ذكرت في المقالة السابقة، فنتعرض اليوم لسؤال هام، هل التدقيق القانوني له أسباب أم أنه قد يكون تدقيق دوري اعتيادي كباقي أنواع التدقيق سواء كان المالي أو تدقيق الأداء أو تدقيق الالتزام؟ أو بمعنى أدق متى نلجأ لهذا النوع من التدقيق؟ وهل من حق المدقق الداخلي اللجوء إليه في أي وقت أم يحتاج لسلطة مساعدة؟

  

أولاً: أسباب اللجوء للتدقيق القانوني Forensic Auditing

قبل أن نجيب  عن أسباب ومتى نلجأ للتدقيق القانوني نروي قصة شهيرة لأحد أهم تقارير الجهاز الأعلى للرقابة في مصر، كان هذا التقرير من هذا النوع وأطلق عليه تقرير (صفر المونديال) وبالطبع لن يذكر الكاتب ما توصل إليه التقرير، ولكن يذكر ملخص موضوعه المنشور بالجرائد وهو أنه في عام 2004 تقدمت عدة دول بملفات لاستفاضة كأس العالم عام 2010، وكانت مصر من ضمن هذه الدول المتقدمة بملف وكانت المنافسة مع أربع دول هي (جنوب افريقيا والمغرب وتونس وليبيا)، وكان أعضاء اللجنة التنفيذية والذين لهم حق التصويت عددهم 24 عضواً، وبعد الصرف ببذخ على ملف التجهيز واستضافة أعضاء اللجنة في مصر، وإدارة حملة إعلامية كبيرة أوحت للجميع أن مصر ستحصل على الملف بسهولة وأن حظ الدول المنافسة قليل أو قل منعدم، ونظراً للفائدة الكبيرة من الفوز بالتصويت فقد اتيحت له ميزانية كبيرة وتم التساهل في كثير من الإجراءات من أجل الوصول للهدف، وعند التصويت كانت المفاجأة، لم تحصل مصر على أي صوت من الأصوات ال 24، ليتحدث الجميع ليس على خسارة مصر حق الاستضافة بل عن هذا الصفر الذي منيت به مصر، وكان رئيس الجهاز الأعلى للرقابة في مصر يقول  مازحاً عند إجراء تدقيق قانوني في تكاليف الملف وإدارته ومخالفاته أن مصطلح صفر المونديال غير دقيق لأننا حصلنا في الحقيقة على 24 صفر، فأضرت الحكومة إلى إحالة الملف إلى لجنة تقصي حقائق، وإلى الجهاز المركزي للمحاسبات لإجراء تدقيق قانوني، إذا تم اللجوء للتدقيق القانوني بعد التحقق من وجود شبهة فساد.

ذكرت هذه القصة لندرك أن التدقيق القانوني يكون له أسباب، ويتوافر معه شبهة الفساد، فهو ليس تدقيق دوري يتم لتحديد أوجه القصور في الاجراءات والأنظمة، أو عدم الالتزام بالقوانين أو اللوائح أو القرارات الإدارية، إنما هو تدقيق غرضه التقصي عن الاحتيال عند وجود شبهة فساد.

وهنا يجب التفرقة بين التدقيق الذي يبحث عن وجود أي مؤشرات للفساد أو الاحتيال من عدمه، وبين التدقيق القانوني الذي يحقق ويتقصى في شبهة الاحتيال الموجودة ليثبتها أو ينفيها.

ومثال الحالة الأولى التدقيق على المشروعات الكبيرة والتي ينفق عليها الملايين، أو الصفقات الكبيرة، أوالعمولات المرتبطة بالصفقات، اوعمليات دمج الشركات وانفصالها، أو أي موضوعات ذات مخاطر عالية لاحتمال وجود فساد، فالمدقق يصمم مهمة التدقيق ويضع المخاطر التي سيقوم باختبارها بهدف البحث عن وجود أو عدم وجود مؤشرات للفساد، وهو ما يطلق عليه Auditing for Fraud ، ومن وجهة نظر الكاتب أنه يمكن ادماج اختبار هذه المخاطر ضمن مهام التدقيق المعتادة والسنوية على التشغيل أو الأداء Performance Audit، أو القيام بها بصورة منفصلة.

أما الحالة الثانية فلا يمكن ادماجها مع مهام أخرى، فهي مهمة منفصلة، وهي ما يطلق عليه Forensic Audit   أو التدقيق القانوني ومثال ذلك تقرير (صفر المونديال) الذي أشرنا إليه، أو وجود شبهة اختلاس لأحد الموظفين، أو وجود شبهة فساد واضحة، ويذكر الكاتب حالة عملية شارك فيها الكاتب وتم تحويلها للنيابة بعد رفع التقرير للبرلمان وكانت قضية رأي عام بسبب اكتشاف عدم صلاحية عمارات سكنية جديدة وتبين أنها آيلة للسقوط قبل توزيعها على المنتفعين وكان القرار بهدم تلك العمارات، فالتدقيق هنا لا يبحث عن مؤشرات فساد فهي موجودة ومقرؤة للجميع، بل يهدف هنا عن تحديد الأشخاص المتورطين في هذا الفساد، وكيف تم ارتكابه؟ وحجم الخسائر الناجمة عنه، فهو تحقيق في الاحتيال بعد وجود المؤشرات وليس قبلها، وتكون المسئولية كبيرة على المدقق في جمع الأدلة لاستخدامها كدليل أمام السلطة القضائية، والتي إذا فشل فيها فسيؤدي ذلك لافلات المحتال وهو ما يحدث كثيراً بسبب عدم الخبرة الكافية والمطلوبة للمدقق في هذا النوع من التدقيق.

إذاً بدون وجود شبهة احتيال فلا يوجد تدقيق قانوني، ولكن يوجد تدقيق عن مدى وجود مؤشرات من عدمه، ويبدأ التدقيق القانوني بعد ظهور تلك المؤشرات.

ثانياً: دور التدقيق الداخلي في هذا النوع من التدقيق:

تمتلك دواوين الرقابة أو الأجهزة العليا للرقابة في الدول السلطة للقيام بمثل هذا النوع من التدقيق من خلال قوانين إنشائها ومن دساتير الدول في بعض الأحيان.

أما في حالة التدقيق الداخلي فلابد من أن يحدد ميثاق التدقيق دور المدقق الداخلي في أعمال التدقيق القانوني (التقصي عن الاحتيال)، ويمكن أن تكون مسئوليته رئيسية للقيام بهذا التدقيق، ويمكن أن يكون دوره مساعداً فقط كأن يشارك في لجنة تقصي حقائق، ويمكن ألا يكون له أي دور على الاطلاق، حال رأى مجلس الإدارة تشكيل لجنة تحقيق في شبهة اختلاس ولم يشرك فيها المدقق الداخلي، وهنا يبرز المفهوم الذي أشرنا إليه سابقاً أن التدقيق المعتاد والذي هو مسئولية للمدقق الداخلي سيختبر فقط مدى وجود مؤشرات فساد من عدمه، أما التدقيق الذي يختبر مدى صحة هذه المؤشرات وارتباطها بأشخاص ووقائع محددة فقد لا يكون للمدقق الداخلي أي دور فيها حسب سياسة الجهة أو المؤسسة وما نص عليه ميثاق التدقيق الداخلي، أما في حالة الأجهوة العليا للرقابة فهو حق أصيل لها يمكن أن تمارسه من تلقاء نفسها أو بتكليف من القيادة السياسية أو السلطة التشريعية.

والسؤال الأن ما هي المهارات المطلوبة؟ وما هي إجراءات وخطوات القيام بالتدقيق القانوني؟ وما هي المحاذير التي يجب تجنبها حتى لا تهدر الطاقات ويكون العائد إعلامياً فقط دون مسألة المتسبب؟ هذا ما سوف نتناوله في مقالات تالية بإذن الله تعالى.

وللحديث بقية إن كان في العمر بقية

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق