الأربعاء، 23 ديسمبر 2020

من يدفع فاتورة أصحاب الياقات البيضاء؟

 

(2) من يدفع فاتورة جرائم أصحاب الياقات البيضاء؟

عبدالعزيز مجاور

الفساد يتنوع في المؤسسات والشركات المختلفة بين الفساد المالي والإداري والأخلاقي، وباستبعاد الأخير لأنه ليس موضوع المدونة  يمكن القول أن لهذا الفساد فاتورة كبيرة وباهظة أكبر مما يدور في ذهن القارئ، قبل أن نتناول تفاصيل تكاليف الفساد في مقالات تالية والتي ستجعلنا نوقن بأهمية وضرورة وجود التدقيق الداخلي والخارجي ووجود قواعد للحوكمة يتم احترامها، وأن التدقيق والمراجعة حتى وهو في أضعف حالاته فإن تكلفته أقل بكثير من العائد على المؤسسة من وجوده، ولكن من يدفع الفاتورة؟.

وفي هذه المقالة سيجيب الكاتب عن التساؤلات التالية:

 هل كل فساد يصحبه نية سيئة؟ وهل دائما ما يستفيد المفسد من فساده؟ ومن يدفع فاتورة الفساد؟

ليس صحيحاً أن كل فساد يصحبه سوء القصد والنية من  قبل المفسد، فقد تكون نيته جيدة كالدب الذي قتل صاحبه وهو يريد انقاذه، أو كالموظف الذي يتلاعب بنتائج الشركة المالية بغرض إطاعة الرؤساء واظهار الولاء للمؤسسة، وكالمدير الذي يوظف انسان غير كفء في منصب طمعاً في الولاء والاتباع.

وبالطبع ذلك يقودنا للحقيقة التالية وهي أن المفسد غالباً ما يستفيد من فساده، ولكن توجد حالات يتحمل هو المسئولية ويجني غيره المكاسب، كالذي يشجع فريق أو حزب في فساده ويبرر له ويدافع عنه، فهو شريك في الفساد لكنه لا ينال من غنائم ذلك الفساد شيئاً، وكالمدقق الذي يفشل في أداء دوره أو يصمت عن كشف ما يقع تحت يديه خوفاً أو رغبة فهو شريك بصورة غير مباشرة في الفساد لكنه لا يحظى بالتمتع بمكاسب الفساد.

من يتحمل فاتورة الفساد؟

إذا بدأنا بالفساد الإداري والمتمثل في إساءة استغلال المنصب أو الاستفادة منه لتحقيق مكاسب شخصية، أو سوء الإدارة أو التعيين والترقية ومنح المكافآت بصورة غير عادلة وغير شفافة، أو بالصور الكثيرة والتي يمكن أن نفرد لها مقالاً مستقلاً.

غالباً ما تدفع المؤسسة نفسها ثمن الفساد الإداري إذ تهرب منها الكفاءات العلمية والإدارية لتصبح المؤسسة هيكلاً عظمياً وشكلاً فارغاً لا تقدم جديداً وتصيبها شيخوخة ما قبل الموت إلى أن تحين اللحظة الكاشفة وتنتهي المؤسسة فعلياً.

كما يدفع العاملون بتلك المؤسسات ثمن فاتورة الفساد الإداري من خلال الاحباط والقلق وعدم الاستقرار الذي يسود حياتهم، وينعدم عندهم الانتماء لمؤسساتهم فيهدروا مواردها المختلفة، وأكبر إهدار حقيقي يتمثل في العاملين أنفسهم وفي الوقت الضائع غير المنتج، فلا غرابة أن نجد الاحصائيات التي تتحدث على أن معدل انتاجية الموظف الحكومي في بعض الدول العربية لا تزيد عن 25 دقيقة يومياً، ويتم هدر أكثر من 7 ساعات يومياً لكل موظف، وقد أثبتت جائحة كورونا ذلك عندما استمرت المؤسسات تعمل بنفس كفائتها رغم تقليص العمالة إلى النصف في نظام التناوب، مما يعني أن المجتمع بالكامل يدفع الثمن بهدر موارده.

أما الحديث عن فاتورة الفساد المالي فذو شجون، فلو تحدثنا عن الرشوة فقط، فهناك مؤشر يقيس مؤشر دفع الرشوة (BPI)  Bribe Payers index يصدر عن منظمة الشفافية العالمية، وهذا المؤشر يعطي للمستثمر فكرة جيدة عن التكاليف الإضافية التي سيتحملها نتيجة دفع رشاوى الحصول على التراخيص أو أخذ الموافقات، ولأن كثير من الدول الغربية به رقابة ويمنع على الشركات دفع الرشاوى فتلجأ تلك الشركات عند الاستثمار في دول تتصف بالفساد إلى ايجاد وسيط مثل الشركات الاستشارية أو المخلصين للمعاملات، وقد أظهر ذلك المؤشر(BPI) عام 2011 عدم وجود أي دولة من الدول الكبرى نظيفة تماماً وغير منخرطة بالرشوى، بمعنى أنها لم تلجأ للرشاوى للتوسع في أعمالها خارج بلادها، مما يعني أن تكاليف الاستثمارات الأجنبية وكذلك الواردات تزيد عن تكلفتها الفعلية وبالتالي يزيد ثمنها في السوق المحلي، ليدفع المواطن قيمة الرشوى التي دفعها الأجنبي ليسوق بضاعته داخل البلاد، وكذلك الرشاوى المحلية فعندما يدفع الشخص رشوى لأداء مصلحة معينة يضع هذه التكلفة على متلقي الخدمة منه مهما كانت مهنته فهناك من يستطيع أن ينقل لهم العبء أو يشاركهم فيه، فالمجتمع الذي تستشري فيه الرشوى يدفع أفراده بلا استثناء الثمن.

يتبقى لنا الحديث عن باقي أنواع الفساد المالي وتكلفته ومؤشرات قياسه، سيتم تناولها لاحقاً إن كان في العمر بقية.

السبت، 19 ديسمبر 2020

(1) مثلث وشجرة الفساد

 

(1) مثلث وشجرة الفساد

عبدالعزيز مجاور

درجت الكتب المتخصصة على تحديد ثلاثة أضلاع للفساد، تتركز كلها في القائم بالفساد، وتكمن الأضلاع الثلاثة كما يعرفها الكثيرون فيما يلي:

1-   الدافع

وهو السبب الذي يدفع الشخص لارتكاب الاحتيال، وعلى الرغم من الدافع ينبع من الشخص ذاته إلا أنه قد يتمثل الدافع في ضغوط داخلية أو خارجية، وقد يكون الدافع سلبي أو حافزاً إيجابياً، وهو الإجابة المثلى عن سؤال لماذا يرتكب الشخص الاحتيال؟

ومن أمثلة الدوافع المرور بأزمة مالية والحاجة لسداد مديونيات تفوق امكانيات الشخص، أو التطلع لامتلاك أشياء لا يمكن تملكها بامكانياته الحالية، أو قد يكون استجابة لرغبات قياداته ورؤسائه للحفاظ على مكانته في العمل والاستمرار فيه، وقد يكون انتظاراً لمكافاة أو حافز.

 

2-   الفرص المتاحة

وتعد الفرصة المتاحة من أهم أضلاع مثلث الفساد، بمعنى أن ضعف إجراءات الرقابة وانعدام الاشراف، والبيئة الرقابية الضعيفة تشجع ذوي النفوس الضعيفة لارتكاب الغش والفساد، أو اعتقاد الشخص أنه من الصعوبة اكتشاف الغش المرتكب.

حالة عملية عن الفرص المتاحة:

توجد في بعض الدول العربية ما يسمى بصناديق النذور، وهي صناديق توضع في أماكن العبادة يضع فيها المترددون تبرعات ومن المفترض أن تجمع تلك الأموال عن طريق الجهة المختصة لصرفها في المصارف التي تحددها الدولة، وفي حالتنا هذا كان الموظف يقوم بفتح الصندوق في وجود المؤذن وأحد العمال وعد المبلغ دون عمل أي محضر بذلك وكان هذا هو المتعارف ثم يقوم بتوريده في اليوم التالي للبنك، وكان يفعل ذلك في أكثر من صندوق ويجمعهم بصورة مجمعة ويقوم بتوريدهم كل أسبوع، وبعد تغيير الموظف ارتفعت قيمة النذور من 2000 دولار إلى 12000 دولار أسبوعياً، وقد قامت الإدارة بشكر الإمام الواعظ واعطته مكافأة نظير تأثير دروسه المؤثرة والتي رفعت مبالغ النذور، ولم يحاسب الموظف أو يتهم بالاختلاس.

3-   التبرير

يظل كل شخص يحمل شيئاً من التقدير لنفسه، لذا يبحث عن تبرير لسلوك الاحتيال، ولا يعتقد أن يقوم الشخص بالاحتيال بمجرد وجود الدافع والفرصة إذا لم يتمكن من اقناع نفسه بأن ما يقدم عليه مشروع بصورة ما، مثل تعويض الظلم القائم عليه، مبرر عدم العدالة في توزيع الثروة، عدم تناسب عمله ومجهوده مع ما يحصل عليه من راتب، ولا تنتهي التبريرات ولكنها ضرورية حتى يرتكب الشخص جريمته وهو مرتاح البال، لا يشعر بأي وخزة ضمير.

 

والشكل التالي يبين مثلث الفساد:



 شجرة الفساد

في المثلث السابق كان التركيز على الشخص المرتكب للفساد، ولكن إذا نظرنا للفساد باعتباره قضية تهدد المجتمعات، وكأمر يجب البحث عن جذوره، فله أيضاً عوامل ثلاثة يمكن تصويرها بالشجرة التي تنمو جذورها في وجود العامل الأول المتمثل في نقص الشفافية وانعدام المحاسبة،  فتوفير المعلومات من أكبر عوامل محاربة للفساد، وقد ترتوي هذه الشجرة بأيدي المدققين الداخليين والأجهزة الرقابية التي تستخدم أساليب رقابية بالية ولا تطور من كفاءة أعضاءها بالسرعة التي يطور بها الفساد أساليبه وطرقه وهذا هو العامل الثاني ، ثم تأتي الشمس التي تجعل الفاسدين يعملون في الضوء ولا يخجلون من فسادهم والمتمثل في نقص البيئة التشريعية وضعفها، والشكل التالي يبين ذلك:


ويمكن الربط بين مثلث شجرة الفساد ومثلث الفساد في شكل شجرة الفساد كما يلي:

فكما أن للفرد مثلث إذا اكتمل غالباً ما يقم بالفساد فكذلك للمؤسسات مثلث مماثل، والرائع أن نحاول دائماً ألا يكتمل أحد المثلثين للحفاظ على بيئة جميلة بعيدة عن الفساد وللحديث بقية

الأحد، 13 ديسمبر 2020

العيون الزرقاء

 

العيون الزرقاء

عبدالعزيز مجاور

عندما تقابل إنسان عنصري تأكد أنه لن يقتنع بوصفك له، فعنده التبريرات الجاهزة والحجج المنطقية للعبارات ذات الطابع العنصري والتي تفرق بين بني البشر بسبب دين أو عرق أو جنسية أو جنس أو لون.

عندما تنطلق العنصرية يتوارى العقل والمنطق، فمثلاً رأيت أحدهم يتكلم بعنصرية شديدة ويسب الأجانب الذين جاءوا وسرقوا خيرات البلاد وعندما أراد الاستشهاد بمثال كانت الطامة لقد أورد جدول يبين الرؤساء التنفيذيين لعدد من البنوك في أول ما انشئت تلك البنوك وكانوا جميعهم وطنيون، والأن تم تغييرهم جميعاً بأجانب من أجناس شتى، لم يفكر صديقنا للحظة واحدة في أن يقارن أداء تلك البنوك مالياً تحت الإدارتين أو يذكر انخفاضاً أو ارتفاعاً للأرباح، أو يبحث لماذا تم تغيير هؤلاء الرؤساء ولو فعل لكان أوقع في المقارنة وأصدق في المنطق، ولم يبين الخسائر أو المكاسب المالية لتعيين الأجانب على رأس تلك المؤسسات المالية، ولم يبين هل كل مؤهلات الرئيس التنفيذي الذي تم تعيينه أنه ذو شعر أصفر وعيون زرقاء أم أنه أمتلك شئ قد يعود بالفائدة على المؤسسة وبالتالي على البلاد، وهل في عصر العولمة جنسية الشخص أو جنسه أحد معايير التوظيف أم أن هناك معايير أخرى تجعل استقالة شخص واحد في مؤسسة كبيرة يهوي بأسهم تلك المؤسسة في أسواق الأسهم العالمية والعكس صحيح.

ألم ترى أن أغلب مدربي فرق كرة القدم في أوربا بل وفي البلاد العربية أجانب عن البلاد التي يدربون بها، بل وفي فرق البلاد الفقيرة يتعاقدون مع مدربين أجانب، إذاً المعيار ليس في جنس ولون الشخص بل فيما يمتلك من مهارات ومعارف وخبرات، وليس مجالاً للنقاش أو الجدال أن تكون الأولوية لتعيين أبناء البلاد، وليس مجالاً أيضاً للجدال كون المصلحة العامة تعلو عن المصالح الخاصة، ولكن الحديث العنصري فضلاً على أنه لا ترضاه النفوس الشامخة فهو أيضا يثير المواطنين الذين سيشعرون أن حقهم أخذه ذو العيون الزرقاء، ولا أمل ولا مكان لهم فيكسلون عن التقدم وعن الارتقاء العلمي والمهني، وفي ذات الوقت ستفقد البلاد حماس الأجنبي الذي يحب البلاد ويعمل على بذل المزيد من أجلها ويحاول نقل الخبرات، فلنعمل جميعاً على الارتقاء بأنفسنا، ولنجعل المواطن هو الخيار الأفضل في المنافسة  دون اشعار ذو العيون الزرقاء أو البشرة السمراء بأنهم منبوذون فقط لأنهم أجانب، تلك الصفة التي لم تعرفها كثير من البلاد طوال تاريخها وماضيها العريق.